محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه ؛ وأي ذلك كان ، فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه ، ولا خير قامت به حجة ، ولا فطرة في العقل لبيان أي ذلك كان من أي ، فأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال جل ثناؤه . واليم الذي أمرت أن تلقيه فيه هو النيل . كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ قال : هو البحر ، وهو النيل . وقد بينا ذلك بشواهده ، وذكر الرواية فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وقوله : وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي يقول : لا تخافي على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه ، ولا تحزني لفراقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي قال : لا تخافي عليه البحر ، ولا تحزني لفراقه إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ . وقوله : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يقول : إنا راد وولدك إليك للرضاع لتكوني أنت ترضعيه ، وباعثوه رسولا إلى من تخافينه عليه أن يقتله ، وفعل الله ذلك بها وبه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وباعثوه رسولا إلى هذا الطاغية ، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه . القول في تأويل قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ . . . إِنَّ فِرْعَوْنَ يقول تعالى ذكره : فالتقطه آل فرعون فأصابوه وأخذوه ؛ وأصله من اللقطة ، وهو ما وجد ضالا فأخذ . والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة : أصبته التقاطا ، ولقيت فلانا التقاطا ؛ ومنه قول الراجز : ومنهل وردته التقاطا * لم ألق إذ وردته فراطا يعني فجأة . واختلف أهل التأويل في المعني بقوله : آلُ فِرْعَوْنَ في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عنى بذلك : جواري امرأة فرعون . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : أقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى ، حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغسلن ، فوجدن التابوت ، فأدخلنه إلى آسية ، وظنن أن فيه مالا ؛ فلما نظرت إليه آسية ، وقعت عليها رحمته فأحبته ؛ فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه ، فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها ، قال : إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل ، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا ، فذلك قول الله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً . وقال آخرون : بل عنى به ابنة فرعون . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس ، قال : كانت بنت فرعون برصاء ، فجاءت إلى النيل ، فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج ، فأخذته بنت فرعون ، فلما فتحت التابوت ، فإذا هي بصبي ، فلما اطلعت في وجهه برأت من البرص ، فجاءت به إلى أمها ، فقالت : إن هذا الصبي مبارك لما نظرت إليه برئت ، فقال فرعون : هذا من صبيان بني إسرائيل ، هلم حتى أقتله ، فقالت : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ، لا تَقْتُلُوهُ . وقال آخرون : عنى به أعوان فرعون . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : أصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة : فبينما هو جالس ، إذ مر النيل بالتابوت يقذف به ، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه ، فقالت : إن هذا لشيء في البحر ، فأتوني به ، فخرج إليه أعوانه ، حتى جاءوا به ، ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده ، فألقى الله عليه محبته ، وعطف عليه نفسه ، قالت امرأته آسية : لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً . ولا قول في ذلك عندنا أولى بالصواب مما قال الله عز وجل : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ